الأربعاء، 23 مايو 2018

خواطر حول مقالة عنوانها "أكثر من 183 سَنَة مفقودة من الإسلام .. أين هي؟"

وصلتني اليوم مقالة بعنوان "أكثر من 183 سَنَة مفقودة من الإسلام .. أين هي؟"، فأود أن أدلي بدلوي بين الدلاء، عسى أن يكون في بعض ما أكتب شيئا مفيدا، فأقول:
الأخ المتسائل الكريم حفظكَ الله ورعاكَ
السلام عليكم ورحمة الله
تقول في مقالتك بأن هناك أكثر من 183 سَنَة غائبة في تاريخ تراثنا الإسلامي، وأنها حقبة زمنية مفقودة في تاريخ نقل الحديث النبوي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المحدثين الذين دونوا الأحاديث الشريفة في مصنفاتهم الحديثية، وأنه لا أحد يعلم عنها شيئا، وأن الإمام البخاري على سبيل المثال وُلد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ب 183 سَنَة، وتتساءل أين هي خطب الجمعة التي خطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، وأن مصنفات البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه لا يُعتد بها وغير موثوق بها!!!.
أشكرك على ما بذلتَ من جهد في كتابة هذه المقالة وما جمعت من نبذ تاريخية حول الموضوع الذي تجشمت عناء كتابته.
أود أن تتقبل مني تسجيل بعض الملحوظات:
ـ أظن أنك تخاطب شريحة ما ممن يُقال عنهم علماء بالحديث الشريف والشريعة الإسلامية وهم من غير المتعمقين، وينبغي أن تُوجه لهم هذه التساؤلات ولمن يثقون بعلمهم وبحثهم ويقلدونهم فيه.
ـ لكن لعلماء الحديث منهجهم في معرفة صحة الحديث:
إذا وصلتني اليوم وثيقة قديمة وقيل فيها إنها بخط فلان ممن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أصحابه فهل هذا هو المطلوب عندك؟!.
أنا لا أعتمدها مصدرا بحال من الأحوال، لأنني لا أعرف حقيقةً مَن كتبها ونسبَها لمن عُزيت إليه، ولأنني لو عرفت الكاتب فأنا أخشى أن تكون قد عبثت بها يد أحد العابثين فزاد فيها ونقص، ولذا فهذا عندي غير مقبول.
الوثيقة المقبولة هي التي تداولتها أيدي الثقات من زمن كتابتها إلى أن تصل إلى من وصلت إليه.
ـ المقبول عند أهل الحديث المدققين هو النقل من كتاب له نسخة خطية موثقة أو أكثر بخط أحد العلماء أو النساخ المشهود لهم بالصدق والضبط وكان قد ذكَر إسناده إلى المؤلف وكان الإسناد صحيحا، أي أن يذكر لنا أنه تلقى هذه النسخة من فلانٍ وأن فلانا تلقاها من فلان وهكذا حتى يصل الإسناد إلى المؤلف، ولا بد من مراجعة تاريخ كل واحد من أولئك المذكورين في سند النسخة وأنه مشهود له بالتوثيق.
ومِن توثيق النسخة معرفةُ نوع الورق والحبر المستخدم وطريقة الكتابة، مما يعرفه المشتغلون بتحقيق المخطوطات.
ـ أمهات كتب الحديث المشهورة كصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هي موثقة بهذه الطريقة العلمية، بحيث نعلم أن صحيح البخاري الموجود بأيدينا اليوم مثلا هو ما أملاه الإمام البخاري على طلابه، ومثله سائر الكتب التي نُقلت إلينا نقلا موثقا.
النقطة المهمة التي تأتي بعد هذه المرحلة هي التحقق من صحة الإسناد من المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ ما هو الإسناد في تلك الكتب وكيف تتم دراسته؟:
كل حديثٍ حديثٍ في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن الترمذي وغيرها من أمهات كتب الحديث له إسناده، فإذا ذكَر أي إمام من أولئك الأئمة حديثا دون إسناد وعزاه للنبي صلى الله عليه وسلم فنقول إنه علق الإسناد، فإسناده ضعيف، وذلك الحديث ضعيف الإسناد.
وإذا ذكَر المؤلفُ مَن حدثه بذلك الحديث والشيخَ الذي سمع شيخُه الحديثَ منه وهكذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنقول هذا سندُ الحديث، أي إن السند أو الإسناد هو تلك السلسلة التي مر الحديث عبر حلقاتها ابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصنف، كالبخاري مثلا، ولا بد من دراسة إسناد كل حديث على حِدَة، لأن كل حديث قضية مستقلة وله ملفه الخاص به، فإذا تبين أن السند متصل دون انقطاع فيه وكان كل المذكورين فيه ثقات أي من أهل الصدق والضبط فنقول هذا إسناد صحيح بمعنى أنه ظاهره الصحة.
وعندنا فرْع من فروع دراسة الأسانيد هو علم علل الأسانيد، فقد يتبين أن السند ظاهره الصحة ولكن له علة تخفى على غير المتبحرين، وهنا نقول ظاهره الصحة ولكنه معلول، أي يغلب على الظن أن أحد الرواة المذكورين في السند قد وهِم وأخطأ في الرواية، والخطأ قد يعتري أي راو ثقة ـ مهما كان قوي الحفظ ـ ولو نادرا.
يأتي بعد ذلك المرحلةُ الأخيرة من الغربلة، وهي مقارنة رواية الراوي بنصوص القرآن الكريم ونصوص الحديث الشريف المتعددة والقرائن التاريخية الثابتة والأمور العلمية المقطوع بصحتها، فإذا وقفنا على رواية إسنادها ظاهره الصحة وليس معلولا وهي مخالفة لأيٍّ مما ذُكر حكمْنا عليها بالشذوذ.
ـ الرواة في سلسلة الإسناد كانوا يعتمدون غالبا على الحفظ، وأحيانا على الكتابة، وأحيانا يكتب الراوي ما يسمعه من شيوخه ويكرره ليحفظه فإذا حفظه محاه.
ليست قوة الحفظ التي نجدها عند معظم الناس اليوم تشبه القوة الحافظة التي كانوا يتمتعون بها، إذْ لم تخالط نفوسَهم مشاكل الحضارة المعاصرة وتشعباتها وتعقيداتها، وكانت لهم في قوة الحفظ قصص عجيبة.
والذي يقرب للأذهان ما بلغوه في ذلك هو أننا نشاهد اليوم تسجيلات بالصوت والصورة لأناس أعطاهم الله ذاكرة قوية مدهشة تفوق ما كان عليه السابقون إلى حد بعيد، بل قصص المعاصرين هي أغرب من الخيال.
فلمَ نصدق ما نشاهده اليوم ولا نصدق ما حُكي لنا عن الحفاظ من المحدثين والذي نشاهده اليوم هو أشد غرابة؟!.
ـ أستغربُ ممن لا يثق برجاحة عقل إنسان إلا إذا بلغ أربعين عاما، وكم من العلماء في القديم والحديث مَن بلغ رتبة علمية عالية وهو دون الأربعين.
البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه ليسوا من العرب، ولكنِ الإمامُ مسلمٌ عربي قشيري.
وقبلهم الإمام أحمد ابن حنبل المتوفى سنة 241 عربي، وغيره كثير.
وقبله الإمام مالك المتوفى سنة 179 عربي، وغيره كثير.
وقبله التابعون وفيهم الكثير الكثير من العرب، وقبلهم الصحابة والغالبية العظمى هم من العرب.
الإسلام دين لكل الناس، يتسابق في خدمته كل الأقوام والشعوب، وكان في الرواة العربي والفارسي والكردي والتركي والأرمني وغيرهم.
أستغربُ ممن يتوهم أن الحقبة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب المصنفات الحديثية حقبة زمنية مفقودة لا يعلم أحد عنها شيئا!، بل هي حقبة زمنية معلومة كان فيها الكثير من المشتغلين بالعلم والحريصين على لقاء الرواة لسماع الحديث وتدوينه، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورا.
إمام دار الهجرة مالك بن أنس هو من أتباع التابعين، ولقي جماعة كبيرة من التابعين الذين سمعوا الأحاديث النبوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصنَّف كتابه الموطأ الذي ما يزال موجودا حتى اليوم، وتلقاه عنه جماعة من الرواة وروَوْه لمَن بعدهم من المحدثين، وروى مالك أحاديث كثيرة سوى الأحاديث التي صنفها في الموطأ، وتلقاها عنه جماعة كبيرة من الرواة من مشارق الأرض ومغاربها، وقد أدرك البخاري ومسلم عددا من تلاميذ مالك.
وما مالكٌ إلا واحدا من أولئك الأئمة الأعلام الذين هم مِشعل فخر للإنسانية جمعاء، ومحل فخر واعتزاز حتى عند عدد من الدارسين والباحثين من غير المسلمين.
أستغربُ ممن يقول أين هي خطب الجمعة التي بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها العقائد والشرائع والأحكام للناس؟!.
أليست الأحاديث الصحيحة المروية في كتب الحديث الشريف هي مما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام في مجالسه وحلقاته وخُطَبه؟!.
أستغربُ ممن يقول أين كَتَبَة رسولنا عليه الصلاة والسلام؟ وأين ما كُتب ونُقل عن آل البيت عليهم السلام؟!، وأين ما كتبه صحابة رسولنا رضي الله عنهم؟!.
لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن كتابة أحاديثه فترة من الزمن حتى تترسخ آيات القرآن العظيم في قلوبهم وصدورهم، ثم أذن بالكتابة لعدد من الصحابة، فكتبوا أشياء مما سمعوه منه، ونُقلت لنا عبر كتب الحديث.
كما نُقلت لنا في كتب الحديث أحاديث مروية من طريق آل البيت.
إذا كانت روايات آل البيت قليلة في كتب الحديث فليبرزها من دوَّنوها من الذين كانوا قريبين منهم إذا كانت موجودة عندهم بأسانيد صحيحة.
المحدثون الصادقون ألهمهم الله تبارك وتعالى أن يحرِصوا على جمع الحديث وتدوينه، فرحلوا في طلبه في البلدان للسماع من الشيوخ، ودوَّنوا مختارات كثيرة مما سمعوه منهم، وبذلوا في سبيل ذلك نفائس الأوقات والأعمار، بعيدين عن الملوك والحكام الأمويين والعباسيين وعمن يغشى مجالس السلطان، لا يعينُهم أحد، ولا يهتم بهم أحد، وهم لا يطلبون من أحد جزاء ولا شكورا.
لقد قدموا ما عندهم وضحَّوْا في سبيل ذلك بالغالي والرخيص.
كثير من المحدثين كانوا أهل رواية، أي يجمعون ويصنفون بكل دقة وأمانة، وليس لهم باع واسع في عملية النقد والتمحيص، أو لم يشتغلوا بذلك اشتغالا واضحا ظاهرا، منهم أبو داود الطيالسي المتوفى سنة 204 صاحب مسند الطيالسي، وابن ماجه المتوفى سنة 273 صاحب سنن ابن ماجه.
وكثير منهم كان لهم اشتغال واضح بالنقد والتمحيص، وكتبهم اليوم وكتب تلاميذهم التي دونت إجاباتهم على ما وُجه لهم من السؤالات شاهدة على ذلك، منهم الأئمة مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني وغيرهم، على تفاوت بينهم في الرتبة.
الإمامان البخاري ومسلم التزما أن يرويا في صحيحيهما ما وقع عليه اختيارهما من الحديث مما رأيا صحة إسناده عندهما، ورويا بعض الروايات مع إشارات إلى وقوع بعض الخلل فيها، لأنهما صنفا كتابيهما لخاصة الخاصة من علماء الحديث، ومَن لا يدركون ذلك يظنون أن كل رواية فيهما يجب أن تكون صحيحة سندا ومتنا.
الجهد الذي بذله الإمامان البخاري ومسلم في تمحيص الروايات وطرُقها جهد كبير، ويجب ـ من باب الاعتراف بالجميل لمن عمِلَ وأحسنَ ـ أن يكون ما عملاه مُقدَّرا مشكورا.
لكن الجهد البشري مهما وصل فيه العالم إلى درجة عالية من الدقة فمن الممكن أن يعتريه شيء من الخطأ والنسيان، وعلماء الحديث الذين جاؤوا بعد الإمامين رحمهما الله في هذه المسألة على رأيين:
رأى كثير منهم أن الأحاديث المروية في هذين الكتابين أو في أحدهما كلها صحيحة ولا يمكن أن يُحكم على أي منها بالتضعيف.
ورأى كثيرون آخرون أن الأصل في تلك الأحاديث الصحة، وأن هذا لا يمنع من أن يكون فيهما ما دون ذلك، وأن العالم الذي له اجتهاد في هذا العلم من الممكن أن يضعِّف ما رأى أنه لا يصل إلى درجة الصحة، لكن بشرطين: التمكن من هذا العلم ومن كل ما يؤهله للخوض في غماره والبعد عن الهوى.
كتبُ الحديث التي صنفها الأئمة مالكٌ وابن أبي شيبة وابن حنبل والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم كلها كتب موثقة معتمدة، وكل حديث فيها هو مروي بالسند الذي وصل الحديث بواسطته من النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصنفي تلك الكتب، ويبقى بعد ذلك مساحة للنظر والدراسة في السند من المصنف إلى الصحابي الذي روى الحديث.
أقول بكل صدق وأمانة: إن المنهج الذي سلكه كبار الأئمة الأعلام من علماء الحديث في النقد والتمحيص هو على درجة عالية من الدقة والموضوعية يستحق أن يفتخر به الفكر الإسلامي والعربي والإنساني، وقد أثنى عليه وأكبرَه وأعجِب به عدد من الباحثين والمؤرخين من غير المسلمين.
التكفيريون الذين يقتلون الأبرياء ويستبيحون الحرمات ليس لهم ما يؤيدهم من النصوص الثابتة إذا فُهمت بالفهم السليم، إنما يستندون إلى بعض النصوص المقتطعة من سياقها فيستدلون بها بما لا دليل لهم فيه، فالمشكلة هنا هي الفهم السقيم واتباع الهوى، أو يستندون إلى نصوص غير ثابتة، والمشكلة هنا هي الجهل بمناهج الأئمة التي يُميز بها بين الصحيح الثابت وبين الضعيف المعلول.
فما ذنب النصوص إذن؟!، وما ذنب العلماء أصحاب المناهج الدقيقة في البحث والنقد والتمحيص؟!.
لا يفوتني أن أشير إلى أن بعض المنتسبين للعلم الشرعي يسلكون في بحوثهم منهجا غير دقيق في العلم، وهم غير قادرين على التغلب على الهوى، فربما يجد في بحوثهم أهلُ القتل والإجرام مستنَدا يسوِّغ لهم تنفيذ مخططاتهم البعيدة عن روح الدين وتعاليمه السمحة.
أسأل المولى تعالى أن يبصرنا بحقائق العلم النافع كما جاء به رسول المرحمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 6/ 9/ 1439، الموافق 22/ 5/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الثلاثاء، 22 مايو 2018

حديث "أليس قد صام بعده رمضان؟! فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض"


بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
رُوي هذا الحديث من رواية طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص مع ناس من الصحابة:
* ـ فأما حديث طلحة رضي الله عنه فرواه ابن حنبل وابن ماجه والطحاوي في مشكل الآثار وابن حبان والبيهقي من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه ابن حنبل والبيهقي في الزهد وأبو يعلى والطحاوي في مشكل الآثار والشاشي من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِن أي ذلك تعجبون؟!". قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!". قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضانَ فصامه؟". قالوا: بلى. قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟". أو قال: "وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!". قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
ورواه ابن حنبل من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة به مرسلا، لكن الرواية المرسلة لا تضر الرواية المروية عن أبي سلمة عن طلحة رضي الله عنه، لأنها جاءت من طريقين عنه عن طلحة.
[محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ثقة فيه لين مات سنة 120. ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق فيه لين. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مدني ثقة ولد سنة 22 أو بعدها ومات سنة 94 أو بعدها].
أبو سلمة لم يسمع من طلحة الذي مات سنة 36، ولم يسمع ممن مات من الصحابة بالمدينة سنة 42 أو سنة 45، فالسند منقطع، فهو ضعيف.
ـ ولهذا الحديث طريق آخر عن طلحة رواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله. [سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ضعيف. أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بيض له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. سليمان بن عيسى بن موسى لم أجد له ترجمة. موسى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزل الكوفة ثقة مات سنة 104]. فهذا الطريق تالف.
ـ وله طريق آخر عن طلحة رواه البزارُ وأبو يعلى والشاشي من ثلاثة طرق عن عبد الله بن داود عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن إبراهيم مولى لهم عن عبد الله بن شداد عن طلحة بن عبيد الله به نحوه. [عبد الله بن داود بن عامر الخُريبي ثقة مات سنة 213. طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزل الكوفة، صدوق فيه لين ولد سنة 61 ومات سنة 148. إبراهيم مولى آل طلحة مجهول. عبد الله بن شداد مدني تابعي ثقة ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات سنة 82]. فهذا الطريق شديد الضعف.
ورواه النسائي في الكبرى عن زكريا بن يحيى خياط السنة عن عثمان ابن أبي شيبة عن وكيع عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شداد عن طلحة، والحديث من هذا الطريق ظاهره أنه جيد، ولكنه معلول بعلتين:
إحداهما الإرسال، فقد رواه ابن أبي شيبة وابن حنبل عن وكيع، والنسائيُّ في الكبرى من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شداد مرسلا.
الثانية أن طلحة بن يحيى روى هذا الحديث ـ في رواية أحد الثقات عنه ـ عن إبراهيم مولى لهم عن عبد الله بن شداد، وإبراهيم هذا مجهول، ورواه ـ في رواية ثقتين آخرين عنه ـ عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شداد، وإبراهيم هذا ثقة، فمن أي الإبراهيمَين سمع طلحة هذا الحديث؟!، لا يمكن هنا ترجيح رواية من صرح بأنه إبراهيم بن محمد بن طلحة وتوهيم من قال هو إبراهيم مولى لهم، لأن مثل هذا ليس محلَّ توهم، وخاصة من ثقة متفق على توثيقه كعبد الله بن داود الخريبي، فهذا اضطراب شديد من طلحة بن يحيى يدل على غفلته وسوء حفظه. وهذا يؤكد ضعف هذه الرواية.
* ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن حنبل وابن أبي شيبة في المسند والبزار من طريق محمد بن بشر وزياد بن عبد الله، كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
ورواه الطحاوي في مشكل الآثار عن إبراهيم بن مرزوق وهو ثقة فيه لين عن سعيد بن عامر وهو ثقة فيه لين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة به مرسلا. والإرسال ليس مظِنة الخطأ.
محمد بن عمرو بن علقمة مدني صدوق فيه لين وخاصة في روايته عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذه منها، وروايته عن أبي سلمة هنا ضعيفة، لاضطرابه فيها، فقد تقدم أنه روى هذا الحديث عن أبي سلمة عن طلحة، ورواه هنا مرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عن أبي سلمة مرسلا، وهذا يعني أنه لم يضبط الإسناد في هذا الحديث، والصواب من هذه الروايات هو روايته لهذا الحديث عن أبي سلمة عن طلحة، لأنها موافقة لما رواه الراوي الثقة محمد بن إبراهيم التيمي، فظهر بهذا أن روايته إياه عن أبي هريرة ضعيفة.
* ـ وأما حديث عبيد بن خالد فرواه الطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي وأبو داود في السنن وابن أبي خيثمة في تاريخه وأبو نعيم في معرفة الصحابة من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن رُبَيِّعة السلمي عن عبيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، فقـُتل أحدهما في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلـَّوْا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلتم؟!. قالوا: دعونا الله عز وجل أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله وصيامه بعد صيامه؟!، لَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
[عمرو بن مرة كوفي ثقة مات سنة 118. عمرو بن ميمون الأودي كوفي ثقة مات سنة 74. عبد الله بن رُبيِّعة السلمي ذكره ابن حبان في الثقات في طبقة الصحابة وقال له صحبة، ثم أعاده في طبقة التابعين، ثم ذكر في طبقة التابعين عبد الله بن رُبَيِّعة الراوي عن عبيد بن خالد ولم يقل فيه السلمي، وهذا يعني أنه جازم بأن الراوي عن عبيد بن خالد ليست له صحبة]. عبد الله بن رُبَيِّعة لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات، فهذا السند ضعيف.
* ـ وأما حديث سعد وناس من الصحابة فرواه ابن حنبل وابن خزيمة من طريق عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت سعدا وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عُمِّر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي، فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضْل الأول على الآخر، فقال: " ألم يكن يصلي؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله وكان لا بأس به. فقال: "ما يدريكم ماذا بلغت به صلاته؟!". ثم قال عند ذلك: "إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غمْرٍ عذبٍ يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقِي ذلك من درنه؟!". وذكره مالك في الموطأ أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به.
[مخرمة بن بُكير بن عبد الله بن الأشج مدني مات سنة 159، وثقه ابن سعد وعلي بن المديني وأحمد بن صالح المصري، وقال ابن حنبل: ثقة إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئا. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يُحتج بروايته من غير روايته عن أبيه لأنه لم يسمع من أبيه ما يروي عنه. وذكره في مشاهير علماء الأمصار وقال: مِن متقني أهل المدينة، في سماعه عن أبيه بعض النظر. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال يحيى بن معين في رواية الدوري عنه: ضعيف، ضعيف الحديث، ليس حديثه بشيء. وقال في رواية ابن محرز عنه: لا يُكتب حديثه. وذكره العُقيلي في الضعفاء واقتصر على قول ابن معين فيه: ضعيف، حديثه ليس بشيء. وذكره ابن شاهين في الضعفاء واقتصر على قول ابن معين فيه: ضعيف]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه معلول، فقد روى ابن حنبل وعبد بن حميد وابن ماجه والبزار ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة وأبو العباس السراج في حديثه والطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي في شعب الإيمان من طريق صالح بن عبد الله بن أبي فروة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيت لو كان بفِناء أحدكم نهر يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما كان يبقى من درنه؟!". قالوا: لا شيء. قال: "إن الصلوات تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن".
وهذا من إعلال أحد الحديثين المتشابهين إذا وقع في سنده تفرد في مقابلة الحديث الآخر منهما إذا رواه أكثر من واحد. [يُستحسن لمعرفة وجه الإعلال مراجعة المطلب الأول من النوع السابع من منهج الإمام البخاري في إعلال المرويات الحديثية].
* ـ خلاصة الأمر أن أسانيد هذا الحديث كلها ضعيفة، والحديث لا يرتقي بمجموع هذه الطرق لأنه شاذ منكر.
وجه شذوذه ونكارته مخالفته للآيات القرآنية الكريمة في تفضيل المجاهدين على القاعدين:
ـ قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، درجات منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورا رحيما}.
وقال تعالى {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا، إن الله عنده أجر عظيم}.
فقد أخبرنا الله تعالى بأن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وبأنه فضَّل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، وروايات هذا الحديث تفضل من لم يجاهد وعاش زيادة سنة وصلى وصام رمضان!، تفضله على المجاهد الشهيد الأشدِّ اجتهادا من صاحبه الذي عاش بعده!.
ـ في هذه الروايات تفضيل من صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم من آحاد الناس على الصحابي المبشر بالجنة الحائز على رتبة السابقين طلحة بن عبيد الله وأنه أسبق منه إلى دخول الجنة إذا كان أطولَ عُمُرًا منه!.
وفي هذا قلب لموازين الإسلام في الدرجات والمراتب، حيث تجعل رواياتُ هذا الحديث درجة مَن كان أطول عمرا مع زيادة أعداد ركعات الصلاة وأيام الصيام تسبق درجة من هو أقل عمرا مع شدة الاجتهاد في العبادة والجهاد ونيل الشهادة!!، لا لشيء سوى أن الميزان ـ حسب تلك الروايات ـ يقدم معيار العدد على معيار الجَوْدة من البذل والتضحية والإخلاص!. حقا إنه أمر في غاية الغرابة!.
قد يدعونا هذا للتساؤل عما إذا كانت هنالك جهة ما ترى لنفسها مصلحة في إشاعة وترويج مثل تلك المعايير المنحرفة!، وإلى الله المشتكى.
* ـ لا شك في أن روايات هذا الحديث ضعيفة الأسانيد منكرة المتن، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 5/ 9/ 1439، الموافق 20/ 5/ 2018، والحمد لله رب العالمين.


الخميس، 12 أبريل 2018

حديث ضغطة القبر - (v2)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
حديث "إن للقبر ضغطة ولو نجا أحد منها لنجا سعد بن معاذ"
هذا الحديث رواه علي بن الجعد في مسنده وابن حبان في صحيحه والطبري في تهذيب الآثار والطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي في شعب الإيمان من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن صفية امرأة ابن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن للقبر ضغطة، ولو نجا أحد منها لنجا سعد بن معاذ". وهذا سند جيد.
ورواه ابن سعد وإسحاق بن راهويه والنسائي في السنن وأبو نعيم في معرفة الصحابة من طريق عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه "هذا الذي تحرك له العرش وفـُتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة لقد ضُمَّ ضمة ثم فـُرِج عنه". وهذا سند ظاهره الصحة لكنه معلول بالإرسال.
فقد رواه ابن سعد كذلك عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع أنه قال: بلغني أنه شهد سعدَ بنَ معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد ضُم صاحبكم ضمة ثم فُرج عنه". فهذا الإسناد مرسل، وهو يعني أن من رواه عن نافع عن ابن عمر فقد أخطأ في السند وسلك الجادة.
أما المتن بما تقدم فهو صحيح ثابت، وليس في هاتين الروايتين أن ضمة القبر لسعد بن معاذ كانت عذابا وكربا وشدة، بل هي ضمة من عالم البرزخ، لا من عالمنا الدنيوي، وفيها إشعار بهيبة الانتقال من عالم الدنيا إلى عالم آخر، وكأنها للمؤمن ضمة الأم لولدها الذي طال انتظارها له، وليس فيها شيء من الشدة والعذاب عليه.
فَرَجَ يفْرِج بين الشيئين أي فتح، وفرَج القومُ للرجل: أوسعوا له في الموقف أو المجلس، وفرَّج الله الغم ـ بالتشديد ـ أي كشفه، فلا بد من التنبه للفرق بينهما.
ولكن هنالك روايات أخرى لم تثبت:
منها ما رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة وابن حبان من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد يوم مات وهو يُدفن: "لـَهذا العبدُ الصالح الذي تحرك له العرش وفـُتحت له أبواب السماء شُدد عليه ثم فـُرج عنه". وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو صدوق فيه لين، ومعاذ بن رفاعة وهو ثقة فيه لين، فهذا إسناد لين.
ورواه ابن سعد من طريق آخر عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما انتهَوا إلى قبر سعد نزل فيه أربعة نفر، فلما وُضع في قبره تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبح ثلاثا، فسبح المسلمون ثلاثا، ثم كبر ثلاثا، وكبر أصحابه ثلاثا، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقيل: يا رسول الله، رأينا بوجهك تغيرا وسبحت ثلاثا!. فقال: "تضايق على صاحبكم قبره وضُم ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد منها ثم فرج الله عنه". وفيه الواقدي وشيخه إبراهيم بن الحصين بن عبد الرحمن، وهذا لم أجد له ترجمة، فهذا الطريق تالف.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن حبان والحاكم في المستدرك من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر سعد بن معاذ، فاحتبس، فلما خرج قيل: يا رسول الله، ما حبسك؟. قال: "ضُم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله، فكشف عنه". وهذا سند ضعيف، محمد بن فضيل سمع من عطاء بعد الاختلاط.
ومنها ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار من حديث سعد بن أبي وقاص، وفيه: ثم احتـُمل فوُضع في قبره، فتغير لون النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المسلمون: يا رسول الله، رأينا لونك قد تغير حين قعدت على القبر. فقال: "ضُم سعد في القبر ضمة، ولو أعفِي منها أحد أعفِي منها سعد".
ففي هذه الرواية لفظة غريبة، وهي "فتغير لون النبي صلى الله عليه وسلم"، وسند هذه الرواية ضعيف، فيه يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري، وهو صدوق فيه لين في أحسن أحواله، وفيه محمد بن صالح التمار، وهو ثقة فيه لين.
ومنها الرواية المنكرة التي رواها ابن سعد في الطبقات الكبرى عن شبابة بن سوار عن أبي معشر عن سعيد المقبري أنه قال: لما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا قال: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول". وهذا السند ضعيف جدا، فيه أبو معشر المدني نجيح بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وفيه علة الإرسال.
* ـ الحديث باللفظ الأول وما في معناه صحيح الإسناد، وما سوى ذلك ضعيف.
اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 5/ 9/ 1431 سوى بعض الإضافات والتعديلات، والحمد لله رب العالمين.


الاثنين، 9 أبريل 2018

حديث ""افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ..."



بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وله الحمد في الأولى والآخرة.

حديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة" رُوي من رواية أبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وعوف بن مالك وأبي أمامة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود وعمرو بن عوف وأبي الدرداء وواثلة بن الأسقع مرفوعا، وعن علي بن أبي طالب موقوفا:
* فأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والترمذي ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وأبو يعلى وابن حبان والآجري في كتاب الشريعة وأبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق والبيهقي في السنن وفي الاعتقاد، ورواه ابن حنبل وابن ماجه وابن أبي عاصم في كتاب السنة، من خمسة طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". ولم يأت ذكر النصارى في المصادر الثلاثة الأخيرة التي فصَلتها عما ذكر من المصادر قبلها. [محمد بن عمرو بن علقمة صدوق فيه لين، وروايته عن أبي سلمة عن أبي هريرة لينة].
* وأما حديث أنس فرُوي عنه من طريق زياد النميري وسعيد بن أبي هلال وزيد بن أسلم والزبير بن عدي وسلمان بن طريف وعبد العزيز بن صهيب ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعد بن سعيد الأنصاري ويزيد الرقاشي وقتادة:
ـ فأما طريق زياد النميري فرواه ابن حنبل عن وكيع عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن صدقة بن يسار الجزري المكي عن زياد النميري عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل قد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وأنتم تفترقون على مثلها، كلها في النار إلا فرقة". زياد النميري بصري ضعيف.
ـ وأما طريق سعيد بن أبي هلال فرواه ابن حنبل عن الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أنس به نحوه، وفيه: وتخلص فرقة. قالوا: يا رسول الله مَن تلك الفرقة؟. قال: الجماعة. عبد الله بن لهيعة كان قد اختلط. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق زيد بن أسلم فرواه أبو يعلى عن محمد بن بكار، والآجريُّ في كتاب الشريعة من طريق عاصم بن علي، كلاهما عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس مرفوعا به نحوه. [محمد بن بكار بن الريان بغدادي صدوق ثقة مات سنة 238. وعاصم بن علي بن عاصم واسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني ضعيف وتغير قبل موته بسنتين تغيرا شديدا ومات سنة 170. يعقوب بن زيد بن طلحة مدني ثقة مات بعد سنة 140. زيد بن أسلم مدني ثقة فيه لين وكان يرسل ومات سنة 136]. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق الزبير بن عدي فرواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من طريق بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس به نحوه. [بشر بن الحسين متروك متهم بالكذب]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق سلمان بن طريف فرواه الآجري في كتاب الشريعة وابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق سلمان بن طريف عن أنس به نحوه. [سلمان بن طريف أو طريف بن سلمان أبو عاتكة منكر الحديث ذاهب الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق عبد العزيز بن صهيب فرواه الآجري في كتاب الشريعة وابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق مبارك بن سحيم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه. [مبارك بن سحيم متروك الحديث ذاهب الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق يحيى بن سعيد الأنصاري فرواه العُقيلي في الضعفاء من طريق معاذ بن ياسين الزيات عن الأبرد بن الأشرس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس به، بلفظ "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة". قالوا: يا رسول الله، من هم؟. قال: "الزنادقة وهم القدرية". [معاذ بن ياسين الزيات مجهول. الأبرد بن الأشرس كذاب وضاع]. فهذا الطريق تالف.
ورواه بحشل في تاريخ واسط والطبراني في الأوسط وفي الصغير عن وهب بن بقية عن عبد الله بن سفيان الواسطي عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: يا رسول الله وما تلك الفرقة؟. قال: ما كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي. [عبد الله بن سفيان قال العقيلي: لا يُتابع على حديثه]. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق سعد بن سعيد الأنصاري فرواه العُقيلي في الضعفاء من طريق ياسين الزيات عن سعد بن سعيد الأنصاري عن أنس به بنحو الطريق السابق. [ياسين بن معاذ الزيات منكر الحديث متروك الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق يزيد الرقاشي فرواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والطبري وابن أبي حاتم كلاهما في التفسير وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه والبسوي في المعرفة والتاريخ واللالكائي، من طرق عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة". قالوا: يا رسول الله ومَن هذه الواحدة؟. قال: "الجماعة".
ورواه أبو يعلى من طريق عكرمة بن عمار اليمامي عن يزيد الرقاشي عن أنس به نحوه.
ورواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه من طريق عبد الله بن غزوان الحمصي عن عمرو بن سعد مولى غفار عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل تفرقت على واحدة وثمانين ملة، وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة، كلها في النار غير ملة واحدة". قالوا: وأية ملة هي يا رسول الله؟. قال: "الجماعة".
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن يزيد الرقاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ولفظه: "إن بني إسرائيل اختلفوا على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وإنكم ستختلفون مثلهم أو أكثر، ليس منها صواب إلا واحدة". قيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟. قال: "الجماعة".
[عكرمة بن عمار اليمامي صدوق ثقة فيه لين، وأحاديثه عن يحيى بن أبي كثير مضطربة. عبد الله بن غزوان وعمرو بن سعد مولى غفار مجهولان. يزيد بن أبان الرقاشي بصري من العباد، وهو ضعيف متروك الحديث مات سنة 120 تقريبا]. فطريق يزيد الرقاشي كله تالف.
ـ وأما طريق قتادة فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ـ ومن طريقه الضياء المقدسي في المختارة ـ قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك به. ورواه ابن المقرئ في معجمه والضياء في المختارة والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من طريق موسى بن عامر ابن خريم وعبد الملك بن الأصبغ البعلبكي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي عن قتادة عن أنس به. وكذا رواه أبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق من طريق الوليد بن سلمة عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس به. لكن الوليد بن سلمة متهم بالكذب والوضع، وذكرته هنا لمجرد المعرفة، والعمدة على ما رواه الوليد بن مسلم من الطرق الثلاثة السابقة عنه.
[هشام بن عمار الدمشقي صدوق ثقة، لكن كبر فصار يتلقن. وموسى بن عامر ابن خريم صدوق فيه لين. وعبد الملك بن الأصبغ البعلبكي صدوق فيه لين. الوليد بن مسلم ثقة فيه لين كثير التدليس والتسوية، فإذا لم يتسلسل الإسناد منه إلى منتهاه بما يدل على السماع فالسند غير مقبول. قتادة بن دعامة ثقة مدلس، ولم أجد أنه صرح بسماعه لهذا الحديث من أنس].
هذا الطريق فيه ما يكفي لتضعيفه، ولكن الأهم من ذلك أنه معلول، لأنه قد جاء هنا من رواية الأوزاعي عن قتادة عن أنس!، والثابت عن الأوزاعي ـ من طرق عنه ـ أنه رواه عن يزيد الرقاشي عن أنس، كما تقدم قريبا، وهذا يعني أن رواية هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن قتادة عن أنس هي مجرد خطأ، ويزيد الرقاشي ضعيف متروك الحديث. فهذا الطريق تالف.
ووجه الإعلال هو أنه لو كان هذا الحديث عند الأوزاعي عن قتادة ويزيد الرقاشي عن أنس فإما أن يجمعهما في الرواية وإما أن يقتصر على روايته عن قتادة عن أنس، فقتادة ثقة ويزيد الرقاشي ضعيف متروك الحديث، وأما الرواية مرة عن هذا ومرة عن ذاك فهذا نوع من العبث الذي تـُصان عنه أفعال العقلاء، وفي مثل هذا الحال فإن الأئمة النقاد من علماء الحديث يحكمون بتثبيت القدر الأدنى ويعلون ما فوقه، فلا مناص عن الحكم بأن الرواية الثابتة عن الأوزاعي هي عن يزيد الرقاشي وليست عن قتادة.
وإذا عُلم أن هذا الطريق معلول فقد جاءت رواية ابن ماجه مختلفة قليلا عن غيرها من روايات الوليد بن مسلم، فألقت الضوء بذلك على وجه الخطأ.
قال ابن ماجه رحمه الله في السنن: حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو عمرو قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة". أي إن الوليد بن مسلم كما روى هذا الحديث عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس فكذلك رواه عن أبي عمرو عن قتادة عن أنس.
وللإيضاح أقول: الإمام الأوزاعي رحمه الله هو عبد الرحمن بن عمرو وكنيته أبو عمرو، والوليد بن مسلم سمع من أبي عمرو الأوزاعي كثيرا ومن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وحدَّث عنهما، وأكثرَ من الرواية عن الأوزاعي، ولذا فإن بعض الرواة بمجرد سماعه منه كلمة "حدثنا أبو عمرو" يظن أن شيخه في هذه الرواية هو الأوزاعي، ولهذا فإن عددا من روايات هذا الحديث قد جاء فيها أنه عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة!، ويبدو أن هذا خطأ، وأن الوليد بن مسلم إنما سمع هذا الحديث من أبي عمرو الأوزاعي عن يزيد الرقاشي ومن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن قتادة، وابن تميم هذا ضعيف متروك الحديث.
ولا يمتنع ـ عند الأئمة النقاد من علماء الحديث ـ أن يكون الحديث عند الوليد بن مسلم عن أبي عمرو الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس وعن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن قتادة عن أنس فيرويَه مرة عن هذا ومرة عن ذاك، لأن في كلا الوجهين راويا ضعيفا، فكلاهما في درجة الضعف. [أقول: قراءة كتاب "منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية" مفيد جدا في معرفة منهج الإعلال].
هذا وقد روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن قتادة أنه قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بنَ سلام: على كم تفرقت بنو إسرائيل؟. فقال: على واحدة أو اثنتين وسبعين فرقة. فقال: "وأمتي أيضا ستفترق مثلهم أو يزيدون واحدة، كلها في النار إلا واحدة". ويبدو أن هذه الرواية المرسلة هي أصل رواية قتادة، فأخذها منه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فزاد فيها في المتن وجعلها عن قتادة عن أنس.
* وأما حديث معاوية فرواه ابن حنبل والدارمي وأبو داود والبسوي وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة وابن أبي عاصم ومحمد بن نصر المروزي كلاهما في السنة والطبراني في الكبير والآجري في كتاب الشريعة واللالكائي، من خمسة طرق عن صفوان بن عمرو السكسكي عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي الهوزني أنه قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
[صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي ثقة فيه لين ولد سنة 72 ومات سنة 155. أزهر بن عبد الله الحَرَازي الحمصي: قال ابن حجر: صدوق تكلموا فيه للنصب. وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره الأزدي في الضعفاء، وقال الأزدي: يتكلمون فيه. فهو صدوق فيه لين مات سنة 128. عبد الله بن لحي الحمصي صدوق ثقة]. فهذا السند فيه لين.

* وأما حديث عوف بن مالك فرواه ابن ماجه والبسوي في كتاب المعرفة والتاريخ وابن أبي عاصم في كتاب السنة والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين واللالكائي وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة، عن عمرو بن عثمان بن سعيد ويزيد بن عبد ربه عن عباد بن يوسف عن صفوان بن عمرو السكسكي عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله من هم؟. قال: "الجماعة".
[عمرو بن عثمان بن سعيد حمصي صدوق ثقة مات سنة 250. ويزيد بن عبد ربه حمصي ثقة مات سنة 224. عباد بن يوسف حمصي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن عدي: روى عن صفوان بن عمرو وغيره أحاديث ينفرد بها. وقال الذهبي في المغني: ليس بالقوي. فهو لين. صفوان بن عمرو حمصي ثقة فيه لين. راشد بن سعد حمصي صدوق ثقة يرسل ومات سنة 113. عوف بن مالك صحابي مات سنة 73]. فهذا الطريق لين.
هذا الطريق فيه ما يكفي لتضعيفه، ولكن الأهم من ذلك أنه معلول، فقد روى خمسة من الرواة حديث افتراق الأمة عن صفوان بن عمرو السكسكي عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن عبد الله بن لحي الهوزني عن معاوية، وليس عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك، فرجع هذا الطريق لحديث معاوية.
ـ ورواه البزار والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين والحاكم وابن عدي في الكامل والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، من طريق نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، يحرمون الحلال ويحلون الحرام".
قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه: عرضتُ على عبد الرحمن بن إبراهيم الحديث الذي حدثناه نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال"، فرده وقال: هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية. قال أبو زرعة: قلت ليحيى بن معين في حديث نعيم هذا وسألته عن صحته، فأنكره، قلت: من أين يُؤتى؟. فقال: شُبه له.
وقول دُحيمٍ الحافظِ عبدِ الرحمن بنِ إبراهيم "هذا حديثُ صفوان بن عمرو حديثُ معاوية" كأنه يريد بذلك أن حديث افتراق الأمة مشهور من رواية صفوان بن عمرو الذي رواه عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن عبد الله بن لحي عن معاوية، وأن عيسى بن يونس هو من الرواة عن صفوان، وأنه مما انقلب إسناده على نعيم بن حماد فوهِم فيه، فجعله "عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك"، بدلا من أن يقول "عن عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن أزهر بن عبد الله عن عبد الله بن لحي عن معاوية".
وروى الخطيب البغدادي هذا عن أبي زرعة الدمشقي، ثم روى عن محمد بن علي بن حمزة المروزي أنه قال: سألت يحيى بن معين عن حديث عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم "تفترق أمتي"، فقال: ليس له أصل. قلت: فنعيم بن حماد؟. قال: نعيم ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟. قال: شُبه له.
ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام من طريق نعيم بن حماد وعبد الوهاب بن الضحاك وسويد بن سعيد عن عيسى بن يونس به.
ورواه ابن عدي في ترجمة نعيم بن حماد من طريقه به، ثم من طريق أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن عيسى بن يونس كرواية نعيم، ثم قال: وهذا الحديث كان يُعرف بنعيم بن حماد بهذا الإسناد، حتى رواه عبد الوهاب بن الضحاك وسويد الأنباري وشيخ خراساني يقال له أبو صالح الخراساني عن عيسى بن يونس، وأبو عبيد الله اتهم بهذا الحديث أيضا، وعبد الوهاب بن الضحاك اتهم أيضا فيه، وذاك لأن هذا الحديث معروف بنعيم عن عيسى بن يونس.
ورواه ابن عدي في ترجمة سويد بن سعيد الأنباري من طريقه به، وقال: هذا إنما يُعرف بنعيم بن حماد، ورواه عن عيسى بن يونس فتكلم الناس فيه، ثم رواه رجل من أهل خراسان يقال له الحكم بن المبارك يكنى أبا صالح الخواشتي، يقال إنه لا بأس به، ثم سرقه قوم ضعفاء ممن يُعرفون بسرقة الحديث، منهم عبد الوهاب بن الضحاك والنضر بن طاهر وثالثهم سويد الأنباري، ولسويد مما أنكرتُ عليه غيرُ ما ذكرت، وهو إلى الضعف أقرب.
ورواه الخطيب من طريق نعيم بن حماد به، ثم من طريق عبد الله بن جعفر الرقي وسويد بن سعيد الحدثاني الأنباري وعمرو بن عيسى بن يونس وعبد الوهاب بن الضحاك وعبد الله بن وهب ومحمد بن سلام المنبجي عن عيسى بن يونس به، ثم روى عن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنه قال: "كل من حدث به عن عيسى بن يونس غير نعيم بن حماد فإنما أخذه من نعيم، وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهَم".
فحديث عوف بن مالك من هذا الطريق ليس له أصل، وهو خطأ سندا ومتنا، وأصله الحديث الذي رواه صفوان بن عمرو عن أزهر بن عبد الله عن عبد الله بن لحي عن معاوية، فرجع حديث عوف بن مالك من هذا الطريق كذلك لحديث معاوية.
ـ ورواه الطبراني في الكبير عن يحيى بن عبد الباقي عن يوسف بن عبد الرحمن المَرْوَرُّوذي عن أبي تقي عبد الحميد بن إبراهيم الحمصي عن معدان بن سليم الحضرمي عن عبد الرحمن بن نجيح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟!". قلت: ومتى ذاك يا رسول الله؟. قال: "إذا كثرت الشرط ومَلـَكت الإماء...، ويفزع الناس يومئذ إلى الشام، تعصمهم من عدوهم". قلت: وهل يُفتح الشام؟. قال: "نعم، وشيكا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين".
[يحيى بن عبد الباقي ثقة مات سنة 292. يوسف بن عبد الرحمن: لم أجد له في أسانيد الأحاديث ذكرا سوى هذه المرة الواحدة، ولم أجد له ترجمة، وقد قال الذهبي وابن حجر: يوسف بن عبد الرحمن حدث عنه عيسى بن إبراهيم البِرَكي بحديثين موضوعين. وعيسى بن إبراهيم صدوق فيه لين مات سنة 228، فإن يكن يوسف بن عبد الرحمن الذي حدث عنه البركي هو الذي حدث عنه يحيى بن عبد الباقي فالظاهر أنه أحد الكذابين، وإلا يكـنْه فهو مجهول. عبد الحميد بن إبراهيم الحمصي ضعيف مات سنة 215 تقريبا. معدان بن سليم وعبد الرحمن بن نجيح لم أجد لهما ترجمة، وفي الرواة معدان بن حدير يروي عن عبد الرحمن بن جبير فلعل في السند تحريفا، وقد يكون هذا من افتعال يوسف بن عبد الرحمن]. فهذا الطريق تالف. 
* وأما حديث أبي أمامة فرواه ابن أبي شيبة وابن أبي عاصم في كتاب السنة والحارث بن أبي أسامة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والطبراني في الكبير واللالكائي، من طرق عن أبي غالب أنه قال: كنت في مسجد دمشق، فجاؤوا بسبعين رأسا من رؤوس الحرورية، فنـُصبت على درج المسجد، فجاء أبو أمامة فنظر إليهم، فقال: "كلاب جهنم، شر قتلى قـُتلوا تحت ظل السماء، ومن قـَتلوا خيرُ قتلى تحت السماء". قلت: يا أبا أمامة، إني رأيتك تهريق عبرتك. قال: "نعم، رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، قد افترقت بنو إسرائيل على واحدة وسبعين فرقة، وتزيد هذه الأمة فرقة واحدة، كلها في النار إلا السواد الأعظم، عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ، السمع والطاعة خير من الفرقة والمعصية". فقال له رجل: يا أبا أمامة، أمن رأيك تقول أم شيء سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين. حتى ذكر سبعا.
ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريقين عن أبي غالب عن أبي أمامة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، تزيد عليها أمتي فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم".
ورواه الطبراني في الكبير واللالكائي والبيهقي من طرق عن أبي غالب عن أبي أمامة بنحوه، وفيها: قلت: يا أبا أمامة، من قِبَل رأيك تقول أم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة ـ أو قال اثنتين وسبعين فرقة ـ، وإن هذه الأمة ستزيد عليهم فرقة كلها في النار إلا السواد الأعظم". ففي هذه الرواية الأخيرة لا يدخل حديث افتراق الأمة فيما سمعه أبو أمامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[أبو غالب صاحب أبي أمامة: وثقه موسى بن هارون الحمال وابن معين في رواية والدارقطني مرة، وقال ابن معين في رواية: صالح الحديث. وقال الدارقطني مرة: يُعتبر به. وقال ابن عدي: ولم أر في أحاديثه حديثا منكرا جدا وأرجو أنه لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وضعفه النسائي، وقال ابن سعد وابن حبان: منكر الحديث]. فسنده ضعيف.
* وأما حديث سعد بن أبي وقاص فرواه عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والبزار والآجري في كتاب الشريعة من طريق موسى بن عُبيدة الربذي عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عائشة بنت سعد عن أبيها أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الليالي ولا الأيام حتى تفترق أمتي على مثلها، وكل فرقة منها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة". [موسى بن عُبيدة ضعيف منكر الحديث].
* وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه الترمذي ومحمد بن وضاح في البدع والآجري في كتاب الشريعة واللالكائي وأبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة، من طرق عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم الإفريقي عن عبد الله بن يزيد المعافري المصري عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: ومن هي يا رسول الله؟. قال: "ما أنا عليه وأصحابي". [عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف].
* وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة والطبراني في الكبير عن هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، لم ينج منها إلا ثلاث".
[بكير بن معروف وثقه مروان بن محمد الطاطري، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود والنسائي: ليس به بأس. وقال أحمد: ما أرى به بأسا. وقال في رواية أخرى: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني في العلل: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وليس حديثه بالمنكر جدا. وقال فيه ابن المبارك: ارم به]. فالظاهر أنه ضعيف.
ـ ورواه ابن أبي عاصم ومحمد بن نصر المروزي كلهما في السنة والطبري والطبراني في الكبير وفي الصغير والحاكم من طريق الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن ابن مسعود مرفوعا به نحوه. [عقيل الجعدي قال فيه البخاري وابن حبان: منكر الحديث].
والطريقان السابقان ـ زيادة على ما فيهما من الضعف ـ معلولان بالوقف على الصحابي:
فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير هذا الحديث عن أبيه عن هشام بن عمار عن شهاب بن خراش عن حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن عميلة الفزازي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم، فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة". ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني عن أبي سعيد بن الأعرابي عن سعدان بن نصر عن أبي معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الربيع بن عميلة عن ابن مسعود بنحوه، وعنده "فاختلفت بنو إسرائيل على بضع و سبعين فرقة".
[هشام بن عمار الدمشقي صدوق ثقة، لكن كبر فصار يتلقن. شهاب بن خراش صدوق ثقة فيه لين. حجاج بن دينار ثقة فيه لين. منصور بن المعتمر ثقة. الربيع بن عميلة ثقة. ورجال الإسناد في شعب الإيمان للبيهقي ثقات]. فهذا الإسناد صحيح موقوفا على ابن مسعود.
* وأما حديث عمرو بن عوف فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى على سبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة واحدة، الإسلام وجماعتهم، وإنها افترقت على عيسى عليه السلام على إحدى وسبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تفترقون على اثنتين وسبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة، الإسلام وجماعتهم". [كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك متهم بالكذب].
* وأما حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس فرواه الطبراني في الكبير والآجري في كتاب الشريعة وأبو إسماعيل الهروي في كتاب ذم الكلام وأهله، من طريق كثير بن مروان الفلسطيني عن عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذروا المراء، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على ثنتين وسبعين، كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم". قالوا: يا رسول الله ومن السواد الأعظم؟. قال: "مَن كان على ما أنا عليه وأصحابي". ورواه ابن عساكر من طريق أبين بن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن آدم به.
[كثير بن مروان الفلسطيني كذاب يحدث بالمنكرات. أبين بن سفيان ضعيف منكر الحديث، وقال البخاري: لا يُكتب حديثه. عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي ليس بثقة، أحاديثه موضوعة]. فهذا إسناد تالف.
* وأما الموقوف على علي رضي الله عنه فرواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ـ كما في إتحاف الخيرة المهرة ـ عن مروان بن معاوية عن حسان بن أبي يحيى الكندي عن شيخ من كندة عن علي رضي الله عنه أنه قال: افترقت النصرانية على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت اليهودية على ثنتين وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده لتفترقَن الحنيفية على ثلاث وسبعين فرقة، فتكون ثنتان وسبعون في النار، وفرقة في الجنة.
[مروان بن معاوية الفزاري كوفي سكن مكة ودمشق ثقة يدلس في أسماء الشيوخ ومات سنة 193. حسان بن أبي يحيى الكندي شيخ مروان بن معاوية ذكره ابن حبان في الثقات، لكن وقع في نسخة كتاب الثقات تسميته بحسان بن أبي حسان. وشيخه مبهم]. والمبهم مجهول، والسند الذي فيه مجهول شديد الضعف.
ـ ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق يعقوب بن عبد الله القمي عن ليث بن أبي سُليم عن مجاهد عن ابن عباس عن علي أنه قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأنتم على ثلاث وسبعين، وإن من أضلها وأخبثها الشيعة.
[يعقوب بن عبد الله القمي صدوق فيه لين مات سنة 174. ليث بن أبي سُليم اختلط جدا ولم يتميز حديثه].
ـ ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وابن أبي حاتم في التفسير من طريقين عن عبد الله بن وهب عن أبي صخر حميد بن زياد عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب أنه قال: لقد افترقت بنو إسرائيل بعد موسى على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة.
[حميد بن زياد مدني سكن مصر ومات سنة 145 تقريبا، صدوق فيه لين. أبو معاوية البجلي: قال المزي: يُقال إنه عمار الدهني ويُقال غيره. سعيد بن جبير ثقة. أبو الصهباء صدوق فيه لين]. عمار الدهني ثقة لم يسمع من سعيد بن جبير شيئا، فإن كان أبو معاوية البجلي المذكور في هذا السند هو عمارا الدهنيَّ فالسند منقطع، وإلا يكنْه فهو مجهول.
ـ ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وابن عساكر من طريق عطاء بن مسلم الحلبي عن العلاء بن المسيب عن شريك البرجمي عن زاذان أبي عمر عن علي بنحوه.
[عطاء بن مسلم الكوفي الحلبي صدوق فيه لين مات سنة 190. العلاء بن المسيب كوفي ثقة فيه لين. شريك البرجمي لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات. زاذان أبو عمر ثقة فيه لين مات سنة 83].
ـ ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق شبابة بن سوار عن سوادة بن سلمة عن عبد الله بن قيس عن علي رضي الله عنه أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، لتفترقن هذه الأمة على مثل ذلك، وأضلها فرقة وشرها الداعية إلينا أهلَ البيت، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
[سوادة بن سلمة لم أجد له ترجمة، ولا فيمن اسمه سواد. عبد الله بن قيس يحتمِل أن يكون الذي ذكره ابن حبان في الثقات].
ـ ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن إبراهيم بن الحسن التغلبي عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي أنه قال: "تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحل حبنا وتفارق أمرنا". ثم علقه المؤلف بعد روايته مسندا عن أبي نعيم عن عبد الله بن بكير نحوه كذلك، وعن محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن عبيد الله الفزاري عن محمد بن سوقة نحوه كذلك.
[محمد بن عثمان بن أبي شيبة كوفي مات سنة 287، وثقه جماعة، ويبدو أن له أخطاء كان يصر عليها فكذبه جماعة لأجلها. إبراهيم بن الحسن الثعلبي أو التغلبي قال عنه أبو حاتم شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. عبد الله بن بكير الغنوي الكوفي صدوق وليس بقوي. محمد بن سوقة كوفي ثقة مات سنة 143 تقريبا. أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي صحابي مكي مات سنة 110. أبو نعيم لعله الفضل بن دكين وهو ثقة. محمد بن سلمة الحراني ثقة مات سنة 192. محمد بن عبيد الله الفزاري العرزمي كوفي متروك الحديث مات سنة 155 تقريبا]. فهذا الطريق ضعيف.
ثم إنه معلول بما رواه الآجري في الشريعة من طريق رجاله ثقات، والخطيبُ البغدادي من طريق واه، كلاهما عن أبي معاوية قال حدثنا محمد بن سوقة عن حبيب بن أبي ثابت عن علي رضي الله عنه أنه قال: تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، شرهم قوم ينتحلون حبنا أهلَ البيت ويخالفون أعمالنا. [أبو معاوية محمد بن خازم كوفي صدوق ربما دلس ومات سنة 194. محمد بن سوقة كوفي ثقة. حبيب بن أبي ثابت كوفي ثقة يدلس ويرسل، ولم يدرك عليا، ومات سنة 119]. فهذا الطريق منقطع بين حبيب بن أبي ثابت وعلي رضي الله عنه، فهو ضعيف.
ووجه الإعلال هو أن هذا الأثر الموقوفَ على علي رضي الله عنه والمرويَّ من طريق محمد بن سوقة جاء على وجهين، فرُوي عن محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي، وهذا الجزء ظاهره الصحة، ورُوي عن محمد بن سوقة عن حبيب بن أبي ثابت عن علي، وهذا الجزء ضعيف بسبب الانقطاع، ولو كان هذا الأثر عند محمد بن سوقة بالوجهين لما رواه مرة هكذا ومرة هكذا، وإذا وقع الشك بين الوجه الذي ظاهره الصحة والوجه الضعيف ثبتنا الأدنى وهو الضعيف وأعللنا الآخر لحصول الشك فيه، فبذلك يكون طريق محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي معلولا، وإذا كان ذلك كذلك فالصحيح أن محمد بن سوقة رواه عن حبيب بن أبي ثابت وليس عن أبي الطفيل، فيكون هذا الطريق عن علي ضعيفا لأنه منقطع الإسناد بين حبيب بن أبي ثابت وعلي رضي الله عنه.
* خلاصة القول في درجة هذا الحديث:
هذا الحديث طرقه كلها ضعيفة، ولعل أمثلها إسنادا حديث معاوية، والثابت منها هو قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "فاختلفت بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة".
قد يقول قائل: ألا يصل الحديث بهذه الطرق الكثيرة لمرتبة الحديث المتواتر فنحكمَ بصحته على الجزم والقطع؟! أو لمرتبة الصحيح لغيره؟! أو لمرتبة الحسن لغيره على الأقل؟!.
أقول:
قلت في كتاب متنزه الأنظار: [لا ارتباط بين صحة الحديث وعدد الطرق التي رُوي بها، لأن مجرد كثرة الطرق لا تفيد الصحةَ ولا الحسن، فضلا عن إفادة الجزم والقطع، وقد أشار الإمام أحمد ابن حنبل عليه رحمة الله إلى هذا المعنى إذ قال: "يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً!! أحاديثُ ضعيفة". والذي أقول به وأؤكده هو أنه لا ارتباط بين عدد الطرق التي يُروى بها الحديث وبين الصحة والحسن، فقد يكون للحديث عشرة طرق أو عشرون أو ثلاثون ويبقى ضعيفا، وقد يكون له طريق واحد ويكون صحيحا، والمعوَّل عليه هو عدالة الرواة وضبطهم مع اتصال السند وسلامة الحديث من العلل ومن الشذوذ].
وترقية الحديث بتوارد الطرق الضعيفة له شرط هام لم يُعْنَ به المتأخرون العناية الكافية، وهو أن لا يكون الحديث شاذا، ولولا ما في هذا الحديث من شذوذ لارتقى إلى مرتبة الحسن.
والشذوذ فيه من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أخبرنا أنه هدى المؤمنين لما وقع فيه الاختلاف فقال سبحانه {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}، فمن المستبعد أن تكون أمة الهداية التي أثنى عليها الحق جل جلاله أشدَّ اختلافا وتفرقا من الذين غضب الله عليهم.
وثانيهما: أن الفِرقة التي جاء الإخبار عنها بأنها الفرقة الناجية ـ حسب معظم طرق هذا الحديث ـ ليست هي المتمسكة بالحق أو بالكتاب والسنة مثلا، ولكن ـ حسب تلك الروايات ـ هي الجماعة، كذا في حديث معاوية وعوف بن مالك وسعد وعمرو بن عوف وعدد من الطرق عن أنس، وورد أنها السواد الأعظم، كما في حديث أبي أمامة والحديثِ المروي عن أبي أمامة وأبي الدرداء وواثلة وأنس، وهذا مخالف للنصوص القرآنية الكريمة التي تبين أن أكثر الناس ليسوا على الحق، فقد قال الله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.
وهذا ما جعل بعض السلف مضطرا إلى أن يؤول لفظة "الجماعة" تأويلا بعيدا يخرجها عن المعنى المعروف في اللغة والظاهرِ من السياق، فمعناها المعروف والظاهر هو أنها تعني السواد الأعظم.
ولكن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "الجماعة الكتاب والسنة وإن كنتَ وحدك". وفي رواية "الجماعة أهل الحق وإن كنت وحدك". وفي رواية "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، إن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل". وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: "الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك". وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ". وكل هذه المعاني تحمل مفهوما مغايرا لما ترمي إليه تلك الروايات حسبما يظهر منها.
ومن القرائن التي تدل على عدم ثبوت الحديث ـ المروي من طرق ضعيفة كثيرة دون أن يكون فيها إسناد صحيح ـ أن يغلب على الظن أن هنالك جهةً ما تسعى لإشاعته وترويجه، وفي مثل هذه الحال فالواجب عدم التسرع في تصحيح الحديث خشية الوقوع في نسبة كلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يقله.
والخلاصة أن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.




قال أحد المعلقين:
"وجود الفرق والملل والنحل في تاريخ الأمة دليل واقعي لهذا الحديث العظيم".
أقول:
وجود الفِرَق والملل والنحل في تاريخ الأمة ليس دليلا واقعيا على ثبوت هذا الحديث، ولم يقل أحد من أئمة علماء الحديث إن مثل هذا يُعد دليلا على تصحيح نسبة مثل هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
للأطباء كلمات في الطب، وللحكماء كلمات من عيون الحكمة، وللصحابة والتابعين وغيرهم كلمات وتعليقات عن الواقع الذي كانوا يعايشونه، وكذا لمسلمة أهل الكتاب، فإذا روى الرواة الضعفاء شيئا من هذا وتحقق وجوده في الواقع فإنه لا يعني صحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قد يكون القول فائدة طبية صحيحة، أو حكمة جميلة، أو وصفا لبعض ما وقع في عصر السلف، أو مقتبساتٍ من مأثورات بني إسرائيل، وربما من كلام بعض الكذابين لمآرب قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، وقد تكون مما ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب.
أي قد تكون مثل تلك الأقوال التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي مما تسرب إلى الرواة الضعفاء فحدثوا بها عن الصحابة أو ثقات التابعين، فإذا وجدنا في الواقع صحة مدلولاتها فهذا لا يعني إطلاقا ثبوتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
كثير من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الخلفاء الراشدين الأربعة محكوم عليها بالوضع، وصحة أحاديثَ أخرى كثيرةٍ غيرها في فضائلهم لم تشفع لها فتخرجَها من زمرة المكذوبات الموضوعات.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 24/ 5/ 1435، الموافق 25/ 3/ 2014، والحمد لله رب العالمين.